حسن ابراهيم حسن

346

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

ولم يكن ما حدث بالمدينة بالشئ المذكور إذا قيس بما حدث بغيرها . فقد هم أهل مكة أنفسهم بالردة عن الإسلام حتى خافهم عتاب بن أسيد عامل رسول اللّه على أم القرى ، فتوارى منهم . ولولا أن قام فيهم سهيل بن عمرو فقال لهم بعد أن ذكر لهم وفاة النبي : « إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة ، فمن رأينا ضربنا عنقه » لترددوا في موقفهم . على أن سهيلا أضاف إلى هذا الإرهاب ترغيبا كان له أثره : « واللّه ليتمن اللّه عليكم هذا الأمر كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » . ولعل هذه الكلمة كانت أقوى أثرا في نفوسهم من التهديد ، وكانت لذلك سبب رجوعهم عن ردتهم ؛ فقد رأوا الأمر في المدينة قد آل إلى أبى بكر وإلى أبناء مكة من قريش ، فأطمأنوا إلى ما ذكره سهيل من حديث رسول اللّه واستمسكوا بالإسلام وأقاموا عليه . وهمت ثقيف بالطائف أن ترتد ، فقام عثمان بن أبي العاص عامل النبي عليهم فقال : « يا أبناء ثقيف ! كنتم آخر من أسلم ، فلا تكونوا أول من ارتد » . وذكرت ثقيف موقف النبي منها بعد حنين ، وذكر ما بينها وبين مكة من أواصر النسب والقربى ، « فاستمسكت بالإسلام ولعل قيام أبى بكر بالخلافة ونهوض أهل المدينة إلى جانبه في أمرها ، قد كان له من الأثر في ثقيف مثل ما كان له في أم القرى » « 1 » . هذا هو الشعور الذي شاع في القبائل التي ارتدت عن الإسلام . أما قريش ، وقد آل إليها هذا التراث المجيد ، فقد اضطلعت بعبئه وتلقته بما يليق به من العناية والجد في تحمل مسئولياته . ولم تضن في سبيله بفلذات أكبادها وساداتها وأشرافها ، فوجهتهم لمحاربة هذه القبائل ، وبرهنت على أنها زعيمة العرب ، وأحقهم بهذا الأمر وأقدرهم على الاضطلاع به . يدل على ذلك قول عمر لنفر من الصحابة : « أظن قلتم ما أخوفنا على قريش من العرب وأخلقهم ألا يقروا بهذا الأمر » ، ثم قال . « فلا تخافوا هذه المنزلة ، أنا واللّه منكم على العرب أخوف منى من العرب عليكم ، واللّه لو تدخلون معاشر قريش جحرا لدخلته العرب في أثركم ، فاتقوا اللّه فيه » « 2 » .

--> ( 1 ) انظر هيكل : الصديق أبو بكر ص 76 - 77 . ( 2 ) الطبري ج 3 ص 246 .